الفيض الكاشاني
47
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام
وهو التذلّل ، وربّما يفرّق بينه وبين الخشوع بأن يخصّ الخضوع بالصوت والبصر ، والخشوع بالبدن ، أو أحدهما بالقلب والاخر بالجوارح . « وضدّه التطاول » هو الترفّع والاستحقار . « والسلامة وضدّها البلاء » ويأتي أيضا « والعافية وضدّها البلاء » وربّما يفرّق بينهما بأن يجعل البلاء الذي ضدّ السلامة بمعنى الامتحان والاختبار ويكون بالخير والشرّ ، والبلاء الذي ضدّ العافية ، بمعنى البلوى والبليّة . وربّما يخصّ متعلّق أحدهما ممّا يكون العبد سببا له كالفسوق والعادات الرديّة ، والأخرى بما يكون من جهته سبحانه كالأمراض والعلل ، أو يخصّ إحداهما بالروح والأخرى بالجسد ، أو يخصّ إحداهما بالنفس والأخرى بما يخرج عنها كالأهل والمال والولد ، والأوّل أولى . ثم إن فسّرناهما أو إحداهما بالخلوّ من الأمراض النفسانية والآراء الفاسدة والأعمال القبيحة فكونهما من جنود العقل ، وكون ضدّهما من جنود الجهل ظاهر ، فإنّ العاقل يتخلّص منها لمعرفته بها ، والجاهل يختارها ويقع فيها من حيث لا يشعر . وأمّا إذا فسّرناهما أو إحداهما بالخلوّ من الأمراض والعلل ، فبيانه يحتاج إلى بسط في الكلام مع أنه ورد في الحديث : « إنّ البلاء موكّل بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثال فالأمثل » « 1 » فكيف يكون من جنود الجهل ما هو بالأنبياء والأولياء أخصّ وبهم أليق ! فنقول وباللّه التوفيق : قد دلّ قوله سبحانه : ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ « 2 » على أن جميع المصائب من الأمراض والعلل وغيرها متسبّب عن سيّئات العبد ومعاصيه الناشئة من جهله ، فهو بمقدار جهله وقلّة عقله سبب لمعاصيه الموجبة لابتلائه بالبلايا . وأمّا الأنبياء والأولياء فابتلاؤهم مخصوص بأبدانهم وما يتعلّق بحياتهم الدنيوية فحسب دون أرواحهم وما يرتبط بحياتهم الأخروية ، وأبدانهم في معرض الغافلة والحجاب والبعد عن اللّه سبحانه اللازمة للبشرية ، فهم إنّما يبتلون في أبدانهم بقدر غفلتهم ولوازم بشريّتهم في هذه الدار التي هي بمنزلة السجن لهم ليتخلّصوا إلى جناب القدس خالصين مخلصين ( بفتح اللام ) وهذا لا ينافي عصمتهم ، لأنّ عصمتهم إنما هي من الذنوب والمعاصي لا المباحات المبعدة لهم
--> ( 1 ) . الكافي 2 : 106 / 259 / 29 ما في معناه . ( 2 ) . الشورى ( 42 ) : 30 .